شناسه مطلب صحیفه
نمایش نسخه چاپی

خطاب‏ [دور الشعب في الحكومة وضرورة كون المسؤولين يحظون بالشعبية]

طهران، جماران‏
دور الشعب في الحكومة وضرورة كون المسؤولين يحظون بالشعبية
السادة زواره اي وميرسليم (المساعدان في وزارة الداخلية) ومحافظو محافظات البلاد
جلد ۱۳ صحیفه امام خمینی (ره)، از صفحه ۲۹۷ تا صفحه ۳۰۵

بسم الله الرحمن الرحيم‏

ضعف الدولة من ضعف أداء أجهزتها التنفيذية

هناك مسألة أود أن يلتفت إليها السادة المحافظون الذين تفضلوا بالحضور إلى هنا؛ وجميع محافظي البلاد والعاملين في‏مختلف مؤسسات وأجهزة الدولة، العسكرية منها والمدنية. من خلال معاينتي لأوضاع الحكومات في العهد البهلوي على اعتبار أني عاصرتها جميعاً تقريباً، من أواخر حكم أحمد شاه وإلى الآن، كان العامل الرئيسي وراء ضعف هذه الحكومات وابتعادها عن الشعب هو الأداء السي‏ء والاستبدادي لأجهزتها ومؤسساتها. فالرشوة المعلومة كانت الناظمة لحركة العلاقات بين مسؤولي وموظفي الحكومة من أدنى موظف إلى أعلى سلطة. من مسؤول، ومحافظ، ومدير مؤسسة، ... الخ، يتصرف بما يحلوله، ويحافظ على مركزه من خلال شراء رضا من هم فوقه بحصص ورشاوي معينة ومحددة فقد كان الولاة وحكام المقاطعات في زمن أحمد شاه يحكمون وفق نظام ال- (تيول) «1»، والذي يمنحهم مطلق الصلاحية في إدارة مقاطعاتهم وولاياتهم على أن يدفعوا للسلطان أو الملك مبالغ معينة على شكل «أتاوة» تختلف من ولاية إلى أخرى حسب غناها وأهميتها. وهذا الوالي المطلق الصلاحيات يعمل بدوره على تعويض هذا المال المطلوب وفوقه أضعاف مضاعفة بالسلب والنهب ومن عرق جبين الشعب المغلوب على أمره.
ورجال الدرك والشرطة والعسكر لم يكن حالهم يختلف كثيراً عن ذلك فالحال هي الحال، وأمّا زمن رضا شاه، فقد انحسر نفوذ هؤلاء، وحُدَّ من صلاحياتهم عما كان عليه‏ زمن أحمد شاه، وباتت جميع الأمصار تدار من قبل الحكومة المركزية ذاتها، التي تحولت إلى مركز للصوصية ومكان لتجمع اللصوص وقطاع الطرق ال- (زلَّقى) «2» وعلى رأسهم كبير اللصوص رضاخان. فهذا الفساد والاستبداد، وهذه الأوضاع المزرية لأجهزة الدولة ومؤسساتها جعل الناس يضمرون لها الكره والعداء، ولكن ما كان أحدٌ يجرؤ على الإفصاح عن ذلك، حتى الذين تشجعوا وفعلوا ذلك أنزل بحقهم أشد العقاب. أذكر عندما كنت صغيراً، أن أحد الأشخاص المقتدرين إستطاع طرد آل خان من خمين وأصبح حاكماً عليها. ومع أنه كان قوياً ومسلحاً إلا أن آل خان بعد ثلاثة أو أربعة أيام، أقتحموا دار الحاكم وبعد مقاومة عنيفة سقط فيها واحد أو إثنان من رجال آل خان، وتم الإمساك به وأقتيد أسيراً، دون أن يحرك أحدٌ من الناس ساكناً، أو يجرؤ على قول، لماذا، بل كانوا سعداء بذلك وربما ذهب بعضهم وأكمل الغارة على بيت هذا الرجل علّه يصيب شيئاً من ماله، فالأوضاع في عهد رضاخان كانت على هذا النحو. وأمّا زمن محمّد رضا فلا بد أن جميعكم تذكرون ما كان عليه الوضع.
إذاً هذه الأنظمة والحكومات الفاسدة، استطاعت على مرّ الزمن أن تشكل أجهزة ومؤسسات مدنية وعسكرية فاسدة، ليس لها مهمة إلا السلب والنهب وإيذاء الشعب والتأمرّ عليه، فقد كانت قوات الجيش والدرك والشرطة تسلب الناس أشياءها بالقوة والتهديد. فإنه ينقل عن رضاخان أنه عندما أراد الدخول إلى أحد مراكز الدرك وضع يديه في جيبه ولم يخرجهما وهو يقول، أخشى أن يسرقني هؤلاء، وهذا معناه إمّا إعطاءهم الضوء الأخضر ليتمادوا في السرقة حتى ولو منه أو أنه نوعٌ من التلويح لهم بحقيقتهم، فعلى أبناء الشعب أن يضعوا أيديهم في جيوبهم لئلا يسرقهم فخامة الملك.

المسؤولون والعبرة من أوضاع النظام السابق‏

على مسؤولي البلاد في مختلف الأجهزة والمؤسسات لا سيما أنتم السادة رؤساء المحافظات أن تطالعوا وبتمعُّن مجمل الأوضاع والأحداث التي كانت سائدة في عهد حكومات الأنظمة التي سبقتكم- لا التاريخ الذي كتبوه للشاه، فذلك ليس بتاريخ، فهو كذب محض-، وأن تحاولوا إكتشاف أسباب هذا الكره والعداء الذي كان في صدور الناس تجاه هذه الحكومات، ما الذي فعلته هذه الحكومات حتى ألَّبت الناس عليها، وزرعت في صدورهم الكره لها؟ ما الذي فعلته ليقيم الناس الأفراح إبتهاجاً بزوالها؟ فأكثركم يذكر مدى الفرحة التي غمرت الناس، الممزوجة بالخوف والترقب مما سيحدث، عندما أغار الحلفاء على إيران وأقصوا رضاخان عن الحكم، ليعيّنوا ابنه محمّد رضا خلفاً له، والشعب صامت يكتفي بالتفرّج ولا يحرك ساكناً، فتلك المرحلة كانت تفتقر لزعيم وقائد يوحّد صفوف الجماهير ويهديها نحو خلاصها وتحررها، فقد كان يكفي أن تثور اثنان أو ثلاث من المدن الكبرى ليمنعوا ذلك، ولكن الخوف المستولي على قلوب الناس منعهم عن النهوض والثورة، ليعيشوا حقبة أخرى من الذل والهوان ولكن هذه المرة على أيدي محمّد رضا وأزلامه. ولو أن آية الله مدرّس «3» كان في ذلك الزمان لمنع ذلك، ولكن للأسف كانت الساحة تفتقر لأمثاله.
إن مطالعة هذه الأحداث والأوضاع ومراجعتها طريقٌ جيد ليدرك جميعُ العاملين في الدولة من أكبر مسؤول كرئيس الجمهورية إلى أصغر موظف كرئيس بلدية في قرية مثلًا، بأن عليهم أن يكونوا في خدمة الشعب، فإنهم إن لم يكونوا كذلك، عادت الأوضاع شيئاً فشيئاً إلى ما كانت عليه في زمن أولئك، وهذا ما لم يكن في مصلحتهم، لأن الشعب اليوم يختلف عما كان سابقاً، فقد نفد صمته، وزال خوفه وعلا صوته، ولن يسكت على الظلم والجور، وإن أي دكتاتورية تمارس ضده لن تفلح، اللهم إلا بعد جيلين أو ثلاثة أجيال من الآن، فالذين يتصورون بأنهم قادرون بدكتاتوريتهم أن يخضعوا هذا الشعب، هم متوهمون. فعلى جميع العاملين في الدولة من مسؤولين ومدراء ومحافظين، ... أن يعاملوا الناس بودٍّ ومحبة، لا كما كانوا يُعاملون في السابق، فقد كان من المتعذر على الناس العاديين مقابلة المحافظ أو مدير الناحية، ليطرحوا عليه مشاكلهم، بل كانوا يخافون حتى مجرد لقائه، للهالة التي كان يحيط بها هؤلاء أنفسهم، والتعسف الذي كانوا يعاملون به الناس، مما كان يزيد في حجم العُقَد المختزنة في نفوس الناس تجاههم، حتى وصلت إلى مرحلة الانفجار في ثورتهم الأخيرة، الآن وقد باتت مواقع المسؤولية في أيدينا فعلينا أن نعمل جاهدين على كسب ثقة الناس ومحبتهم بتفانينا في خدمتهم وحل مشاكلهم قولًا وعملًا، فإن الشعب إذا أحس من مسؤوليه الصدق والإخلاص في العمل، فسيمنحهم كل الولاء والثقة والتأييد. وأمّا إذا أحس منهم الخيانة والطمع واستغلال المنصب لخدمة الأغراض الشخصية والعائلية، والتكبر على الناس والاستعلاء عليهم، فلن يكتفي بالسكوت واختزان الألم والمرارة كما كان سابقاً، فقد ولّى زمن الصمت، بل سيقوم وينهض ويقوّم‏ إعوجاجهم بصرخاته ومسيراته وإن لزم الأمر بسلاحه وقبضاته، ولن يجني هؤلاء من أعمالهم إلا المذلة والخسران.
فالإنسان العاقل والذي تسكنه هواجس الدكتاتورية وطموحاتها، يكبتها ويمنعها من أن تظهر في هذه الأيام، وإلا سارت به إلى لحده.

خير البلاد وصلاح المسؤولين في كسب ود الشعب ومحبته‏

فليعلم الجميع، أن خير الأمة والبلاد وجميع مسؤوليها في كسب ود ومحبة الشعب، بحيث يشعر الشعب معها بأنكم من أحبائه، لا كما كان سابقاً. فقد كانت مراكز المسؤولين، ومراكز الأمن والشرطة، مصدر رعب للناس، لا يجرؤ أحدٌ على دخولها أو حتى المرور من أمامها من شدة الخوف. فقد كان المظلوم الذي يضطر للذهاب إلى مخفر الشرطة للشكاية، يسهر ليله مفكراً بما سيحل به ويتعرض له هناك، فقد كان الذهاب إلى هناك أصعب عليه من السجن نفسه، ولربما تخلّى عن أصل الشكوى، فقد كانت خطة هؤلاء إيجاد الخوف والرعب ما أمكن في نفوس الناس، لدرجة لا يجرؤ معها أحد على مخالفتهم أو القيام ضدهم.
فعليكم ومن أجل حفظ بلادنا حرة كريمة، ومن أجل حفظ استقلالها من أن يأتي الطامعون للعبث بها ونهب ثرواتها، أن تحافظوا على محبة الناس وتأييدهم لكم، في أي موقع من مواقع المسؤولية كنتم، واعملوا على زيادة الإلتحام بين الجماهير، فيما تتحدثون به إليهم، في منتدياتكم ومجالسكم التي تجتمعون فيها معهم، وعلى توعيتهم لما يطرحه بعض المفكرين الجدد من أراء وأفكار، فإن كانت باطلة فندتموها وأثبتم بطلانها، وإن كانت مغرضة وتطرح وفق خطة مسبقة، أفشلتم هذه الخطة. إن هذا الشعب الرائع، الذي عانى الكثير وتعب وكدح وجاهد في هذه السنوات القليلة الماضية، يستحق منا أن نبذل كل ما في وسعنا وأن نسهر ليلنا في خدمته والعمل له، إنه شعب قل نظيره في العالم، إنه شعب رائع ونحن السيئون. في بعض الأحيان يخطر في ذهني؛ كيف بي إذا ألقيت في نار جهنم يوم القيامة، ودخل الذين اتبعوني وأطاعوني الجنة، وأشرف كل منا على الآخر هناك، ورأوني أتقلب في نار جهنم، فماذا عساني أقول لهم؟ لا سيما إذا خاطبوني متسائلين كيف يكون هذا، وقد دخلنا الجنة باتباعك وتظاهرنا وهتفنا ب- (الله أكبر) تلبيةً لندائك، لابد وأنك فعلت أمراً حتى استحقيت اللعنة وألقيت في جهنم. فعلينا أن نتفانى في خدمة هذا الشعب المؤمن الطيب، بأن يقوم كل محافظ بأداء المهام الموكلة إليه على أتم وجه، ويفتح قلبه وأبوابه للناس أجمعين، ويتعامل معهم وفق المعايير والأخلاق الإسلامية، ويُشعرهم بأنه خادم لهم لا سيّدٌ عليهم، ليشعروا معها أن الحكومة الإسلامية حكومة العمل والخدمة، لا حكومة الاستبداد والتسلط. فقد كان رسول الله (ص) مع عظيم شأنه خادماً للناس، ويفتخر بخدمتهم، وهذا كان دأب جميع الأولياء والصالحين، وكلنا يعرف قصة مالك الأشتر عندما كان يعبر أحد الطرق، وكان أنذاك القائد الأول لجيوش المسلمين، وإذا بشخص لا يعرفه راح يستهزي‏ء به ويشتمه، ولكن مالك لم يرد عليه وتابع طريقه، فبادره أحد الجالسين هناك قائلًا: أعرفت من هذا؟ قال: لا، فقال له: إنه مالك الأشتر، فهاله هذا الخبر، وأسرع خلف مالك ليعتذر منه، فوجده يدخل المسجد، تبعه وانتظر حتى أنهى صلاته، ثم ذهب إليه معتذراً مما كان بدر منه، فقال له مالك: إني لم آتِ المسجد إلا لأصلي وأطلب المفغرة والهداية لك.
هذه هي أخلاق وروحية قادة ومسؤولي الإسلام، فما أحوجنا لأمثالهم.

الحفاظ على الدعم والتأييد الشعبي للنظام‏

إن هؤلاء الناس أصحاب القلوب الطاهرة والنقية، من الفلاحين والعمال والكادحين هم الذين جعلوا منكم مسؤولين ومحافظين، ولولاهم ما كان لأحدكم أن يحلم بهكذا مناصب، أم محمد رضا شاه كان يسمح لكم بذلك، وجميع مواقع المسؤولية كانت حكراً على أزلامه وحاشيته؟! إذاً فإن هذا الشعب هو الذي جاء بهذه الحكومة، وإن هذا الشعب هو الذي جعل رئيس الجمهورية رئيساً للجمهورية، وإن هذا الشعب هو الذي نجّانا من جور وفساد الطواغيت والحكومات السابقة، فحريٌّ بنا أن نصون هذا الشعب ونحفظه، وأن لا نغفل عن مثل هذه المسائل، وأن نعيش الحضور الإلهي في سرّنا وعلننا وقولنا وفعلنا، وجميع محافلنا ومجالسنا، لأن هذا الإحساس سيصوننا من أن نظلم أو نطغى، إذ كيف لنا أن نظلم عباد الله وأحباءه ونؤذيهم ونحن في محضره؟ إنه لجرمٌ عظيم، فلو كنتم تريدون لبلادكم أن لا تعيش الأسر من جديد، وأن لا يُسلب منكم كلٌ شي‏ء، وأن لا يعود ظلم ومعاناة وقهر الخمسين سنة الماضية عهد الطواغيت السابقين، الذي ربما يذكره أكثركم، وذلك الذل والهوان الذي كان يعشيه، ويعيشه أولئك الكبار أكثر من غيرهم، إلا أن قلوبهم السوداء القاسية كانت تحجبهم عن درك ذلك. فلازلت أذكر حتى الآن، ولم يغب عن ذهني أبداً ذلك المشهد المذل والمهين، لذلك الشخص الذي يرى نفسه ملكاً على إيران- طبعاً نحن لم نرضَ به ملكاً ولا في يوم من الأيام، إنما هو لصٌ فرضوه علينا فرضاً- وذلك عندما استقبله الرئيس الأمريكي في إحدى زياراته لأمريكا، ولم أعد أذكر هل كان‏ نيكسون أم جونسون، ولكن على الأغلب كان جونسون «4»، لا زلت أذكر كم كان المنظر مهيناً ومخجلًا، كيف وقف هذا الملك المزعوم أمام جونسون وقوف تلميذ الكتّاب أمام أستاذه الشيخ، ذليلًا خانعاً خاضعاً، وذاك الخبيث يتجاهله ولم يرمقه ولو بنظرة، وخلع نظارته وراح ينظر إلى الجهة الأخرى، وكأن لا أحد يقف بجانبه، إن هذا فيه إهانة وإذلال لا لشخص هذا الملك التافه وإنما لإيران وللشعب الإيراني بأسره، لأن هذا التافه في النهاية يمثل إيران. ولكن خلاصة الأمر أنه ذهب إلى هناك ليجدد العهد والولاء لأسياده، وليعطوه الضوء الأخضر والإذن ليتصرف هنا كما يحلو له، وهم بدورهم سيؤمّنون له الحماية الكافية ويخمدون كل صوت يعلو ضده. تماماً كما كان يفعل الولاة في السابق، إذ يأتون إلى السلطان كل سنة محملين بحصته من خراج الولاية، ليجددوا الولاء له ولكسب تأييده وحمايته لهم، فإن كنتم تريدون أن لا تعود هذه الأوضاع من جديد، حيث سأرحل أنا عنكم عما قريب، والبلادُ بلادكم، وإيران هي لكم، فلو أردتم أن تبقى لكم كما هي الآن، فعليكم أن تحافظوا على وحدة هذه الأمة وعلى هذه العلاقة المتينة وهذا الانسجام الذي تشهده، ولا تسمحوا لفكرة الميل إلى الشرق أو الغرب أن تقتحم أذهانكم، واعملوا جاهدين على أن لا تنتشر هكذا أفكار في أوساط الشعب. إن أمتكم هذه لا مثيل لها، فحافظوا على ما هي عليه من الإنسجام، أفي عهد محمد رضا كانت نسوة خراسان يصنعن الخبز للمقاتلين عند نشوب حرب مثلًا، في أهواز، ويدعون لهم بالنصر والغلبة؟!
فأمتنا الآن هي كذلك، ففي أي بقاع الدنيا يمكنكم أن تجدوا دعماً وتأييداً شعبياً للحكومة والجيش والقوات المسلحة، كالذي تشهده أمتنا اليوم، حتى لو قلَّبتم صفحات التاريخ لن تعثروا على مثيل لذلك، أن يقوم أطفالٌ صغارٌ بتقديم عشرة وخمسة تومانات من أجل الجيش والقوات المسلحة العاملة في الجبهات أو أن تتبرع إمرأة مسنّة في الثمانين من عمرها ببضع بيضات للمقاتلين. إن لهذه الأمور قيمة، قيمة عظيمة جداً، وعلينا أن نحافظ عليها، لأن إنتصار أمتنا إنما كان بفضل هذه الأشياء القيِّمة. إن إنتصار هذه القلوب أكبر من إنتصار البلاد، إن هكذا فتحٌ في القلوب أعظم من فتح البلدان، فاعملوا على حفظ هذه الحالة، ولا يغيب عن ذهنكم أبداً أنكم عبادٌ لله سبحانه وتعالى، وأن هؤلاء الناس هم الذين أتوا بكم إلى السلطة، وعليكم أن تخدموهم ما استطعتم. فعلى رئيس الجمهورية أن يدرك أن هؤلاء الناس في الأسواق والأزقة هم الذين جاءوا به من باريس وجعلوا منه رئيساً للجمهورية ولهذا فعليه أن يخدمهم، وعلى رئيس الوزراء أن يدرك أن هؤلاء الناس هم الذين أخرجوه من سجون التعذيب وجعلوا منه رئيساً للوزراء، فعليه أن يخدمهم وهكذا جميع السادة الذين كانوا تحت التعذيب وفي السجون فإنهم مدينون لهذا الشعب بنجاتهم وتحررهم. وعلى هذا، فإن الشي‏ء الأساسي الذي تقتضيه السياسة ويمليه عليكم الإنصاف والوجدان والدين أن تقدّروا وتكرموا هؤلاء الذين خدموكم وخدموا الحكومة بلا مقابل ولا زالوا يخدمون، واعلموا أن هذه العلاقة بين الشعب والحكومة إذا ضعفت أو زالت، لا قدّر الله، عادت حالنا إلى ما كانت عليه سابقاً، إن لم يكن الآن فبعد مدة من الزمن، فعلينا أن نقوي هذا البنيان، وأن نسعى دائماً للحفاظ على استحكامه ومنعته، فإن هذا واجبٌ شرعي وجداني، علينا العمل بموجبه، كلٌّ حسب موقعه والمنصب الذي يشغله، وذلك بأن لا نسمح لمن هم تحت أيدينا بإساءة معاملة الناس أو أذيتهم، وأن نسعى لكسب ودهم ومحبتهم، وأن نشعرهم بأننا منهم ولهم وفي خدمتهم، لئلا يبتعدوا عنا، فإنما أبعد الشعب عن الأنظمة السابقة سوء معاملتها وتعسفها بحق الشعب، فعندما كان محمّد رضا يريد العبور من شارع ما، كانت قوات الأمن والسافاك تأتي قبل عدة أيام إلى هناك وتسيطر على جميع المحلات والبيوت المشرفة على هذا الشارع حتى يتسنى لجلالة الملك العبور، إن هذه ليست سلطنة، إنه ذلٌّ يسمّونه سلطنة.

الشعب هو حلّال مشاكل البلاد

كونوا على حال يحتضنكم معها الشعب كما تحتضن الأم أولادها. الحمد لله أن شعبنا اليوم مفعم بهذا الإحساس، فحافظوا عليه، فإن فيه حفظ البلاد وقوتها، فما من مشكلة تعرضت لها البلاد إلا وكان الناس هم السبّاقون لحلها، واليوم في هذه المشكلة التي نواجهها فإنكم تلاحظون هذا الحضور والدعم الشعبي المنقطع النظير، من خلال الخدمات والمساعدات النقدية وغير النقدية التي يقدمونها للجبهات والمقاتلين، لأنهم يعتبرون هذه القوات وهذا الجيش جزءاً لا ينفصل عنهم، فعلينا أن نحافظ على هذه الروحية، فإن في حفظها حفظ لأنفسنا وحفظ لبلدنا ولا سمح الله، إن فقدناها فسنعود إلى ما كنا عليه في السابق من الضعف والذل والهوان، وإني أخوف ما أخافه أن نكفر بهذه النعمة التي وهبنا إياها الله سبحانه وتعالى ولا نفيها حقها من الشكر والحفاظ عليها، فيكون ذلك سبباً ليمنع الله رحمته وعنايته عنا ونعود إلى أسوأ مما كنا عليه.

يجب إطلاع الشعب على ما أنجز من أعمال‏

وأمّا فيما يخص المشاكل التي ذكرتموها وذكرها السادة، فإني على علم بها وتصلني تقارير كثيرة حولها، إن شاء الله، ستتم معالجتها شيئاً فشيئاً وحلّها والسادة المسؤولون في‏ صدد ذلك، وأنا سأتابع الموضوع بنفسي ربما يأتون إلى هنا في غضون اليومين المقبلين، وسأتابع الأمور بنفسي ولأجل هذا أردت أن يكونوا بلا عيب أو نقص، فإنها أموال بلاد لم تفتح إلا بعد سنتين من المعاناة والجهد والتعب، لقد سرق هؤلاء البلاد ونهبوها وفرّوا، وخلّفوا وراءهم بلاداً منهوبةً مدمّرة، حتى أولئك الذين صودرت أملاكهم وأراضيهم مازالوا مدينين هنا أكثر بكثير من هذا الذي صودر، لقد نهب هؤلاء البلاد وفرّوا هاربين، فمحمد رضا قالها بصراحة بأنه سيدمّر البلاد ويذهب، وقد صدق فقد خرّبوا البلاد وذهبوا، إلا أننا كنا نظن بأنهم يريدون تدميرها بأن يقصفوها ويرحلوا، لا أن يفعلوا ما هو أسوأ من القصف، فالقصف يحدث دفعة واحدة وينتهي، ولكن هؤلاء دمّروا اقتصاد البلاد من أساسه، مما سيكلّف الشعب الآن كدح سنوات طويلة حتى يتمكن من تعويض هذه الخسائر التي لحقت باقتصاده، وأمّا بالنسبة للأعمال التي تنجزونها فعليكم إطلاع الشعب عليها لا أن تبقوا صامتين، لقد نبهت المهندس بازركان عندما كان رئيساً للوزراء مراراً وتكراراً، أن يلتفت إلى هذه المسألة وضربنا له مثل الدجاجة التي تريد أن تبيض، كيف أنها تملأ الدنيا صياحاً وكأنها تريد أن تعلم الدنيا بأسرها أنها ستبيض! في حين أنكم تعملون وتسكتون، فإن كان هدفكم وجه الله، فاذكروا ما أنجزتموه لوجه الله أيضاً، ولكي لا تستغل شياطين البلاد هذا السكوت وتبث دعاياتها بأنها قد جاءت الجمهورية الإسلامية ولم تغير أو تأتي بشي‏ء جديد عما كان في السابق، فإن هؤلاء الشياطين المطلقي العنان الآن والذين يسرحون ويمرحون في أنحاء البلاد وشوارعها ويزرعون الشر والفتن، ما كانوا يستطيعون التنفس في ذلك الوقت ثم يأتوا الآن ليقولوا: جاءت الجمهورية الإسلامية ولم تصنع شيئاً، مع أنه حسب التقارير التي وصلتني فإن ما أنجزته الجمهورية الإسلامية في هاتين السنتين أو السنة والنصف الماضية رغم جميع العقبات والمحن التي واجهتها، كان أكثر مما أنجزه أولئك طوال فترة حكمهم.
على أي حال هناك تقصير في هذا الجانب، ومن الآن فصاعداً عليكم أن تطلعوا الناس على كل ما تنجزونه من خلال الصحف أو الإذاعة والتلفزيون أو سائر وسائل الإعلام الأخرى، فأحياناً يتطرق التلفاز لهذه الأمور ولكن بشكل مجمل ومختصر جداً، فيظن الناس أن المقدار المنجز هذا الذي عُرض، مع أنه بالأمس كان هنا السيد باهنر «5»، وحدثني‏ عن مسألة المدارس التي تم إنشاؤها حيث قال: إن عدد المدارس التي سينتهي العمل منها بعد عدة أيام هو خمسة عشر ألف مدرسة، وهذا العدد يشكل ثلث ما بني من المدارس طوال العهود السابقة من تاريخ إيران. حسنٌ هذا جيد، ولكن يجب إطلاع الناس على ذلك وإخبارهم به، ليعلم الناس كم بُني من المدارس والبيوت والمساجد وكم عُبِّد من الطرقات وأحيي من الأراضي، ليدرك الناس أن هناك عملًا وإنجازاً وأن هناك الكثير من الأمور التي تم إنجازها، لا كما يتخرص هؤلاء الشياطين بأن الجمهورية الإسلامية لم تقدم شيئاً جديداً إلى الآن. فعلينا أن نزيد همتنا وعلى السادة أن يزيدوا هممهم لنتابع المسير قدماً في حركة التطوير والإعمار والبناء.
وإني على أمل بأن الله سيوفقكم ويوفقنا جميعاً لخدمة هذا الشعب الكريم فإنهم عباد الله، نحن نريد من الله ان يَمُنَّ علينا لنخدم هذا الشعب لأنهم عباد الله، ذلك أن الله بغنى عن خدمتنا. وإنهم عيال الله وأنتم القيِّمون والمشرفون على أمورهم فعليكم حفظهم لتحفظوا بذلك أنفسكم.
أيدكم الله ووفقكم جميعاً، فاعملوا لخدمة بلادكم، ولا يغيب عن ذهنكم طرفة عين أن الشرق والغرب هم أعداء لنا، وأن كل ما يعطونا إياه، إنما يعطونه لنا لهلاكنا، فعلينا أن نعمل جاهدين لنكف أيدينا ولا نمدها لأعدائنا.

«۱»-«تيول»: شبيه بنظام «الأتاوة» المعمول به زمن العثمانيين، حيث كان السلطان يمنح الحكام على الولايات صلاحيات مطلقة في مقابل مبالغ معينة عليهم إرسالها له كل عام تسمى«الأتاوات»-. «۲»-«زلقى»: جماعات من قطاع الطرق المعروفين، ظهروا في أواخر العهد القاجاري وبداية حكومة رضاخان. «۳»-آية الله السيد حسن مدرّس، رجل دين مجاهد، استشهد غيلةً بأمر من رضاخان وذلك في عام ۱۳۱۷ ه- ش. «۴»-ليندون جونسون، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق. «۵»-السيد محمّد جواد باهنر، كان رئيساً للوزراء في حكومة محمّد علي رجائي، وقد نال شرف الشهادة مع رئيس الجمهورية محمّد علي رجائي، في حادث تفجير مبنى رئاسة الوزراء.


امام خمینی (ره)؛ 11 دی 1417
 

دیدگاه ها

نظر دهید

اولین دیدگاه را به نام خود ثبت کنید: